أبي بكر الكاشاني
176
بدائع الصنائع
شر العدو عن نفسه بالقتال فيدفع الاحصار عن نفسه ولا يمكنه دفع المرض عن نفسه فلما جعل ذلك عذرا فلان يجعل هذا عذرا أولى والله أعلم وسواء كان العدو المانع كافرا أو مسلما لتحقق الاحصار منهما وهو المنع عن المضي في موجب الاحرام فيدخل تحت عموم الآية وكذا ما ذكرنا من المعنى الموجب لثبوت حكم الاحصار وهو إباحة التحلل وغيره لا يوجب الفصل بين الاحصار من المسلم ومن الكافر ولو سرقت نفقته أو هلكت راحلته فإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر لأنه منع من المضي في موجب الاحرام فكان محصرا كما لو منعه المرض وإن كان يقدر على المشي فليس بمحصر لأنه قادر على المضي في موجب الاحرام فلا يجوز له التحلل ويجب عليه المشي إلى الحج إن كان محرما بالحج ويجوز ان لا يجب على الانسان المشي إلى الحج ابتداء ويجب عليه بعد الشروع فيه كالفقير الذي لا زاد له ولا راحلة شرع في الحج انه يجب عليه المشي وإن كان لا يجب عليه ابتداء قبل الشروع كذا هذا قال أبو يوسف فان قدر على المشي في الحال وخاف ان يعجز جاز له التحلل لان المشي الذي لا يوصله إلى المناسك وجوده والعدم بمنزلة واحدة فكان محصرا فيجوز له التحلل كما لو لم يقدر على المشي أصلا وعلى هذا يخرج المرأة إذا أحرمت ولا زوج لها ومعها محرم فمات محرمها أو أحرمت ولا محرم معها ولكن معها زوجها فمات زوجها انها محصرة لأنها ممنوعة شرعا من المضي في موجب الاحرام بلا زوج ولا محرم وعلى هذا يخرج ما إذا أحرمت بحجة التطوع ولها محرم وزوج فمنعها زوجها انها محصرة لان للزوج أن يمنعها من حجة التطوع كما أن له أن يمنعها عن صوم التطوع فصارت ممنوعة شرعا بمنع الزوج فصارت محصرة كالممنوع حقيقة بالعدو وغيره وان أحرمت ومعها محرم وليس لها زوج فليس بمحصرة لأنها غير ممنوعة عن المضي في موجب الاحرام حقيقة وشرعا وكذلك إذا كان لها محرم ولها زوج فأحرمت باذن الزوج انها لا تكون محصرة وتمضي في احرامها لان الزوج اسقط حق نفسه بالاذن وان أحرمت وليس لها محرم فإن لم يكن لها زوج فهي محصرة لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الاحرام بغير زوج ولا محرم وإن كان لها زوج فان أحرمت بغير اذنه فكذلك لأنها ممنوعة من المضي بغير اذن الزوج وان أحرمت باذنه لا تكون محصرة لأنها غير ممنوعة وان أحرمت بحجة الاسلام ولا محرم لها ولا زوج فهي محصرة لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الاحرام لحق الله تعالى وهذا المنع أقوى من منع العباد وإن كان لها محرم وزوج ولها استطاعة عند خروج أهل بلدها فليست بمحصرة لأنه ليس للزوج ان يمنعها من الفرائض كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان وإن كان لها زوج ولا محرم معها فمنعها الزوج فهي محصرة في ظاهر الرواية لان الزوج لا يجبر على الخروج ولا يجوز لها الخروج بنفسها ولا يجوز للزوج أن يأذن لها بالخروج ولو أذن لا يعمل اذنه فكانت محصرة وهل للزوج أن يحللها روى عن أبي حنيفة أن له أن يحللها لأنها لما صارت محصرة ممنوعة عن الخروج والمضي بمنع الزوج صار هذا كحج التطوع وهناك للزوج أن يحللها فكذا هذا ولو أجرم العبد والأمة بغير اذن المولي فهو محصر لأنه ممنوع عن المضي بغير اذنه وللمولى أن يحلله وإن كان باذنه فللمولى أن يمنعه الا أنه يكره له ذلك لأنه خلف في الوعد ولا يكون الحاج محصرا بعدما وقف بعرفة ويبقى محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة وإنما قلنا إنه لا يكون محصرا لقوله تعالى فان أحصرتم فما استيسر من الهدى أي فان أحصرتم عن اتمام الحج والعمرة لأنه مبنى على قوله وأتموا الحج والعمرة لله وقد تم حجة بالوقوف لقوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه وبعد تمام الحج لا يتحقق الا حصار ولان المحصر اسم لفائت الحج وبعد وجود الركن الأصلي وهو الوقوف لا يتصور الفوات فلا يكون محصرا ولكنه يبقى محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة لان التحلل عن النساء لا يحصل بدون طواف الزيارة فان منع حتى مضى أيام النحر والتشريق ثم خلى سبيله يسقط عنه الوقوف بمزدلفة ورمى الجار وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة ودم لترك الرمي لان كل واحد منهما واجب وعليه أن يطوف طواف الزيارة وطواف الصدر وعليه لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة وكذا عليه لتأخير الحلق عن أيام النحر دم عنده وعندهما لا شئ عليه والمسألة مضت في